الرئيسية
سيرة ذاتية
تأملات طائر1
تأملات طائر2
تأملات طائر3
العتمة تنسحب رويدا
الشاعر فى صور
قصائد بالعامية
قصائد
أخري
العتمة تنسحب رويدا
الولد الفوضوي
الولد الفوضوي2
الفنانة سوزان العبود
الفنان قناوي فاروق
عن شعراء الجنوب
عن شعراء الجنوب2
شعراء قنا
عن القصة في الجنوب
البوم الاصدقاء
البوم الصحف
البوم المهرجانات
شجر البدايات (حسن خلف)
الشاعر أحمد المريخى
صوري
صفحات من كتاب العشق
اهلا زوارنـــا
للإتصال بنا

مرحبا بكم في عالم الشاعر محمود مغربي

المحرر : اسلام مغربي

 

استلهام التراث لدى شعراء جنوب مصر
 
أ . د : قرشي عباس دندراوى
جامعة جنوب الوادى - آداب قنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عديدة هى الدراسات والمؤلفات التى دارت حول قضايا التراث وإشكالية النهضة فى الخطاب العربي المعاصر ، التى كشفت - فى جزء منها - عن حقيقة أزمة المثقف العربي ، وثقافتنا فى ضوء التاريخ ، بل وأهمية الثقافة ، وبوصف الحداثة إعادة تأسيس جديد للتراث (1) .
وكم من الدراسات والمباحث ، نظرية وتطبيقية ، تلك التى عالجت استلهام التراث أو استدعاءه فى شعرنا العربي الحديث والمعاصر خاصة ، وقد مست التناصات الدينية والأدبية والتاريخية والشعبية فى نصوص المبدعين ابتغاء معرفة جدلية النص المزاح والنص الحال، ومعرفة حركية التفاعلات الثقافية والفكرية ، إحلالاً وإزاحة وترسيباً وتسريباً فى نص المبدع .
ولقد رأيت أن ألج هذه الدراسة التى تمس أكثر الشعراء وأصحاب النصوص لأول مرة دون تقديم توطئة نظرية حول أهمية استلهام التراث أو تفاعل الذوات " فى نصوص المبدعين ، مفترضين أن النص الأدبي الجنوبي أصبح مجموع أنساق التفاعلات الثقافية والفكرية والاجتماعية الماضوية والحاضرة .
إن الدراسة تهدف - فى جوهرها - معرفة حجم الخطاب التراثي لدى شعراء الجنوب ، وتلم بقدرة الشاعر الجنوبي فى امتصاص نصه لنصوص دينية وأدبية وتاريخية ، وتجيب على قلق كثير من مجيدى شعراء الجنوب لتحقيق قارىء واستجابة ، مثلما حققها نفر من أبناء الجنوب - على صعيد خارطة الأمة - مثل أمل دنقل .
وقد اضطرت الدراسة إلى التوسع فى عدد الدواوين الشعرية، التى تجاوزت الخمسين ديواناً ، راعت أن تمثل نتاج الجنوبيين من أسوان إلى أسيوط ،وكان اختيارها اختياراً عشوائياً من مجموع مئات الدواوين الجنوبية المهجورة : عواداً وضيوفاً وضيفاناً .
ودواوين الدراسة منها ما هو للرائد الذى رضى عنه قدامة بن جعفر أو حتى تلامذة العقاد ، ومنها ما هو للمكابدين والمعروفين من شعراء الجنوب ، ومنها ما هو للذين يتخطون الأدوار الأولى فى ناطحة الشعر العربي التى تُرى وقد اخترقتها طائرات طلبة الفوضى والعولمة.
إن الدراسة لا تصدر أحكاماً حول تصنيف الشعراء أو معرفة " طبقات فحولتهم " أو "فحولة" " الضّليل " المادية لا الشعرية فيتجه القارىء إلى " علقمة " جديد يحدث فيه لذة النص - بمعناه العام -، ومن ثم يكيل " العنَّين " الاتهام للدهر العربى المفرك!! ، ويتيه فى صحراء العصر مُخدَّراً بسراب حلم ، مردداً طلليته الجديدة " الشعر مات ... العصر عصر الرواية ... الرواية ماتت ... القارىء / المتلقى مات .... حتى بائع تذاكر شباك " غرامه / حمامه " مات .
ومن نافلة القول فى هذا التصدير نذكر أننا استبعدنا جملة من الأعمال والتجارب الإبداعية ، فضلاً عن جميع أبناء الجنوب الكبار أمثال صلاح عبد الصبور ومحمود حسن اسماعيل ومهران السيد وأمل دنقل ، استبعدنا أعمال " آل النجمى " الشعرية وعلى رأسها أعمال محمد حسن النجمى والد الشاعر والصحفى كمال النجمى الذى كان يلقب على حد تعبير شكيب أرسلان شاعر العروبة والإسلام وقد نال أحد باحثى كلية الآداب بقنا (د. مجدى عبد المجيد) - درجة الدكتوراة فيه، ولا تزال مجلداته الشعرية ، ومعى نسخة مصورة منها ، تنتظر النشر فى حين يقوم قطاع وسط وجنوب الصعيد ، وهو مشكور فيما يقدم،ينشر فى تسعين صفحة ما لا يزيد عن أربعمائة لفظة لفتى من أبناء الوادى الجديد ، الذى حرق كل من عنده " دم "ومن ليس عنده بها وبعنوان " ديوانه " : " حروف ملتهبة ".
وقد استبعدنا - كذلك - تجربة فتى من قنا أصدر مجموعة من الدواوين ( وائل عبد الوهاب ) لأن الفتى وهو شاعر وباحث نابغة، قد امتص النص العربي القديم، بل وما يجىء غريباً فى ألفاظ العربية إلى الحد الذى طالبه أحد الصحفيين المستنقدين - إن جاز التعبير - أن يترك " عربيته " لكى لا تدهس القراء ..
واستبعدنا كذلك تجربة كتبها شاعران شابان تحت عنوان " أوقفنا فقلنا " بوصفها نصاً واحداً لهما معاً ، واعرضا عن ذكر اسميهما ( محمد عبد الحميد ، محمود الكريشابي ) من غلاف الديوان ، وتواريا تحت اسم " السموألان " ، بين يدى الكتاب الأول منها ، حيث أن التجربة من الخصوصية والخصوبة والثراء فى استلهام التراث بمكان ، أفسدها تباين المشارب الفنية لكل واحد منهما .
وقد يلتمس لى الذين لم تأت أعمالهم فى هذه الدراسة ، وقد كان الاختيار عشوائياً كما قلت فإننى وضعت نفسى معهم بما لى من مساهمات شعرية معهم ، أملاً أن نلتقيهم فى مكان آخر يضاف إلى الأماكن الأخرى التى قابلت فيها نفراً من شعراء الصعيد وقد غضب منى أكثرهم .
(1)
أ- صورة الجنوب كما يراه شعراؤه :
درج شعراء الجنوب الرواد ، وجل التقليديين من أبنائهم ، إلى رسم صورة متخيلة حالمة لممر النيل " الثعبانى " الذى يتكدس فيه وحوله وبه أبناء الصعيد ، منتجين صدى من ملامح أفلاطونية لشخصية مكانهم الفاضل وفردوسهم المثال ، أو صورة تتناص بنتاج شعراء الطبيعة القدامى أو بنصوص شعراء " الحضارة الريفية " أمثال الهمشرى من المعاصرين .
وقد دفعهم إلى ذلك دفعاً ، فضلاً من التأثر بالموروث السابق، إيجاد صورة تستشرف أحلامهم فى إقامة مجتمع ريفى يعادل - نقضاً - هذا الإفراط الشطط الذى أبان عنه الشيخ يوسف " الشربينى "فى كتابه" هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف " .
ويدفعهم - كذلك - أو يدفع المغتربين عنه خاصة فى أقاليم " شمالية " أو خارج مصر مؤقتاً أو هجرة تمسكهم بالمكان المثال حيث مفردات الصفاء والنقاء والبراءة والنخوة والعادات الحميدة كما نراه - مثلاً - فى دواوين صاحب " الجدول الحالم " ، أو ما يجعل أبا الفضل بدران - مثلاً - يعادل قريته بالمدن العالمية فى أوربا وأمريكا فى قصيدته " من ذاكرة المدن " ، وهى قصيدة عبارة عن فقرات شعرية تحمل كل فقرة عنوان عاصمة أو مدينة عالمية وضع فيها بدران اسم قريته قرينا بـ " بون- باريس- لندن- ونيويورك ... إلخ (2) .

وقد يتمثل هذا الأمر بوصفه استبكاء على ضياع المكان ( المحلى ) كما نراه عند الشاعر السكندرى ، النوبي الأصل محمد عبد الرحيم إدريس " فى ديوانه " ظلال النخيل " فيكتب - وهو من تلبّس وقريته قصيدته " مصرع نخلة " - القصائد كقصيدته " ربيع القرى " ليهديها إلى " قريته التى لا تشارك القرى فى استقبال عبد الربيع بالخضرة والزهور " وكان ذلك بعد تعلية خزان أسوان الثالثة ، فما باله حين غدت قراهم تتنفس تحت عشرات الأمتار من المياه بعد إنشاء السد العالى الذى أضاعها إلى الأبد ، وأضاع " طائر البتشون " معها فى نظرهم (3)

ويدفعهم - كذلك - أو يدفع المغتربين عنه خاصة فى أقاليم " شمالية " أو خارج مصر مؤقتاً أو هجرة تمسكهم بالمكان المثال حيث مفردات الصفاء والنقاء والبراءة والنخوة والعادات الحميدة كما نراه - مثلاً - فى دواوين صاحب " الجدول الحالم " ، أو ما يجعل أبا الفضل بدران - مثلاً - يعادل قريته بالمدن العالمية فى أوربا وأمريكا فى قصيدته " من ذاكرة المدن " ، وهى قصيدة عبارة عن فقرات شعرية تحمل كل فقرة عنوان عاصمة أو مدينة عالمية وضع فيها بدران اسم قريته قرينا بـ " بون- باريس- لندن- ونيويورك ... إلخ (2) .
وقد يتمثل هذا الأمر بوصفه استبكاء على ضياع المكان ( المحلى ) كما نراه عند الشاعر السكندرى ، النوبي الأصل محمد عبد الرحيم إدريس " فى ديوانه " ظلال النخيل " فيكتب - وهو من تلبّس وقريته قصيدته " مصرع نخلة " - القصائد كقصيدته " ربيع القرى " ليهديها إلى " قريته التى لا تشارك القرى فى استقبال عبد الربيع بالخضرة والزهور " وكان ذلك بعد تعلية خزان أسوان الثالثة ، فما باله حين غدت قراهم تتنفس تحت عشرات الأمتار من المياه بعد إنشاء السد العالى الذى أضاعها إلى الأبد ، وأضاع " طائر البتشون " معها فى نظرهم (3) .
وتشى بعض عناوين الجنوبيين بهذا العالم مثل "نزيف النخيل - ظلال النخيل - ظلال الرؤى - على صفاف البرتقال - مجنون هذا البحر - حكايتى مع القمر - قمر لنافذة الظلام - زهرة الخريف - نبت الحزن - الجدول الحالم - طائر البتشون - خطرات وقطرات - القطرة الأولى من الصبح - النوارس تحكى غربتها - وغداً تحترق النوارس - الحياة فى توابيت الذاكرة - قصائد جنوبية لامرأة لا جنوبية ولا ..... إلخ .
ما بين صورة مصطفى رجب حينما خاطب طه حسين قائلاً:
"أتيتك من جنات الصعيد / أفر إليك من الجهل والخوف فراً، فما زال قومى فى الريف يخشون بأس الرغيف / وبأس الطبيب ، وبأس العريف ، وبأس المدرسْ . وما زال شيخ الطريقة يشفى العليل ويروى الغليل ، ويحكى حكايا عن الفيل والنمل والخنفساء ، ومازال قومى حول الربابة ينتفخون ... ". (4)
وصورة أحمد منصور نفادى فى قصيدته "مراشف الذكرى"

فهل يا دوح باقية

 

مغانينا على العهد

وهل لا زال متكى الـ

 

أليف بمجلس الود

فأحيانا نرى جمعاً

 

وأحيانا أرى وحدى

أراجع سورة الأعراف

 

والأنفال والرعد

بظل شجيرة قامت

 

بعيداً أيا بعد

هروباً من مشاكسة

 

وإقبالاً على الجد

فسوط الشيخ اللهوب

 

وصفعة كفه تردى ...(5)

وبين صورة الجنوب كما صورها جميل عبد الرحمن مستحثاً أبناء الجنوب بقوله ( انطقوا النيل فيكم وصبوا هديره / اشربوه إلى شعركم ثم لبوا خريره / أرفضوا أن يحاصركم بأسكم فى زنازينه الضارية / اشعلوا الوزن والقافية / واستردوا ملامحكم فالجنوب هو الخصب / الجنوب البقاء البقاء / الجنوب الشعل / الجنوب المثل " .....
ما بين هذا وبين ذاك ويتشكل المكان من صناعة " عروش التفرد " على حد تعبير عبد الستار سليم ، تلك العروش التى " تصنع بابا من الغانيات .
وتصنع فوق جبين المعابد .
تاجاً لوجهين ما استيقظا . (6)
وربما نام هذان الوجهان فى قطار " محمود مغربي " الكسيح حينما قال / - أيها الفوضوى / أما زال بينى وبينك / ما بين هذا الشمال / وذاك الجنوب / وهذا القطار الكسيح " . (7)
ترى هل عنى ذلك الفوضوى - وجلهم كذلك - بالقطار الكسيح - إياباً وذهاباً - شعرنا العربي الذى يرتجز - هنا للأسف - بين أعواد القصب ، وبينه .
وبين تصدير " السكر " مساحات من مرارة الوصول وقدرة من علموا الإنسانية الزراعة بمفهومها الوسيع حقيقة ومجازاً.
ب- ثقافة الشعراء بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر :
فى ضوء نتاج الجنوبين الشعرى ، بدءاً من عناوين بعض الدواوين والقصائد والاقتباسات التى وردت فيها والحواشى التى ذيلها الشعراء عليها،يتبين لنا مقدار ما أراد الشعراء الجنوبيون تأكيده من الوقوف على الثقافة العربية ، مسترفدين تراثها الدينى والأدبي والتاريخى والشعبي ، وكذلك التأثر بالثقافة الإنسانية عبر عصورها الممتدة .
وإذا كان هذا البحث يبَّين حقيقة وعى الشعراء بالتراث العربي ، وقدرتهم على امتصاص نصوصه لتتناص مع نصهم الشعرى فإلى أى مدى كان تأثرهم بروافد الفكر الإنسانى وثقافته وإبداعه ، بل إلى أى حد كان إلمامهم بثقافات الآخر .
الأمر اللافت للنظر أن كثيراً من الرواد كانوا يجيدون أكثر من لغة غير العربية ، فالشاعر محمد عبد الرحيم إدريس ، يذكر فى ديوانه " ظلال النخيل " أن قصيدته " العودة إلى الموطن " قصيدة ترجمها عن " لا مرتين " وقصيدته " الينبوع " ترجمها عن الشاعر الفرنسي " تيوفيل جوتيه" ، وقصيدة الطفل ترجمها عن الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو (8) ، وكذلك يترجم الشاعر محمد عبد العزيز عويضة أشعاراً لشكسبير ، أوردها فى ديوانه الحصار والفرار ، ويكتب أبياتاً عما تسمى محنة " كير كجورد " الفلسوف الوجودى .... (9) ، وغيرهم مما سترى يسترفدون تراث الهندية والصينية أو الأغريقية .
إلى أى حد مثَّل ذلك نصاً مزاحاً إلى نصهم الحال .؟!
إلى أى حد يتواجه النص التراثي والمبدع والنص الشعرى أمام القارىء؟!أو أى حد يكون حال النص الشعرى أمام النص التراثي والقارىء؟!هل ترانى حينما أقرأ لأحد شبان الجنوب وهو يقول :
(
أفلاطون - ابن حزم - طاغور - هل تقبلونى فرداً/ فى مدينة الأغبياء / حذوت حذوكم/ وكنت صدى صوتكم/ والنهاية معتوه مخبون ملعون
) (10) .
أينا المعتوه المخبون الملعون : أ النص الذى رمانا به أم النص الضحية أم الأعلام التى أوردها أم القارىء .. كلا ليس القارىء .. ( لقد نفد بجلده ) .
ماذا .. لا يمكن أن يتهرب القارىء .. يجب إغراؤه وإحداث " لذة النص" فيه فنقول له مثل هذه النصوص :

 

- وأقبل وردة " فان جوخ " الشاحبة
واستلقى على نيران " نيرودا " ..... (11)
- شهبية بمعطف " فان جُوخ " قبل مماته . (12)
وما لنا ، لا نحشوا "، له نصوصنا بنغمات "الزلو" " التانجو" أو أسماء من عينة "أورفيوس، ونرسيس... إلخ".
ليس فى إيراد اسم " سبارتوكوس " عيب ، فلا شك أن أمل دنقل حقق به اصطياد " اللؤلؤة المستحيلة " فى حين أن الاسم ذاته ورد عند أبناء دنقل لؤلؤة بلاستيكية . لِمَ كان ذلك؟!
كان ذلك عندما يُعامل بوصفه " بديل الانتحار " وليس " استرزاق " الدولار" ، وحينما كان كلمة طيبة " أصلها ثابت " وليس كلمة خبيثة اجتثها القارىء فما لها من ......
(2)
استلهام التراث الدينى :-
لاشك أن التراث الدينى يمثل - عند أغلب الشعراء - مرجعاً رئيساً يلجأ إليه المبدع ، استدعاء واستلهاماً ، ليشكل بالنص المزاح ، سواء أورده على هيئته أو أعاد بناءه وتفكيكه فى نصه الحال ، جدلية يغدو بها النص الأدبي الأكثر تاثيراً فى المتلقى لما للتراث الدينى من مكانة مثال فى ذاكرة أبناء الأمة ووجدانهم .
والصعيد مجتمع تشكله صياغاته العقيدية والروحية، وتسيطر عليه وفق ما أشرنا إليه فى معرفة مرجعيات شعراء الجنوب الثقافية ، وكما لم يجد الشاعر الرائد الذى سيأتى ذكره فى مستقبل الصفحات حٍرجاً أن ينادى الفارس المنتظر الذى يحقق العدل أو العالم الذى يشيد العلم بأنه " الـ " جودو المنتظر"، ويجعل عنوان قصيدته مسرحية بريخت المعروفة "فى انتظار جودو"، فهل تراه، وهو ذو خطاب شعرى دينى سلفى ، يسمح - مثلاً للسماح عبد الله حين يقول قصيدته " شهيد " ( ابق عينيك ما بيننا يا قتيلْ / ربما أرق اللهَ ضوؤهما مرة فى سكون السماوات / أو ربما / دلتاه على خطأ هو فى غفلة منه أنشأه فى المجرة ... " ، أو يقول " وتسللت وراء روائحها الغائبة كنبى يتشم رائحة الله / يضلله الله " (13) . أو حتى يتقبل قول الأزهرى ( محمود الأزهرى ) :
- أوحى إلينا الله فى قرآنه
كونوا سيوف الحق / أجناد حذرْ
قوما يمين الله فى أيمانكم بيض الوجوه
على المحازير صبرْ .
إن فاز يوماً .. صهيون أشرْ . (14)
(أ) القرآن الكريم :
ومن البدهي أن نبدأ أول مصادر التراث الدينى التى استلهمها الشعراء وهو القرآن الكريم ، ومن البدهي - أيضاً - أن نقول أنه ما من ديوان شعرى قديماً وحديثاً ، جاء بلسان عربى مبين أو غير مبين إلا استلهم صاحبه القرآن الكريم أو استدعاه أو اقتبس منه بما جوزه الفقهاء وما لم يجز عند بعضهم على نحو ما وضح القدامى ، ومنهم السيوطى فى كتبه " الجمان " و " الحاوى " و " الاتقان " (15) .
وقد وضح الشعراء الجنوبيون التقليدون اتخاذهم القرآن مصدراً رئيساً لشعريتهم وشاعريتهم ، على نحو ما يذكر محمد أبو الفتوح - مثلاً :

- صقلت مواهبى، علّمت نفسى

 

أصول الشعر من قلب الكتاب(16)

ومن ثم فقد وردت بعض أسماء سور فى القرآن الكريم ، كقول درويش الأسيوطى معادلاً لها دلالات التمرد والثورة ( من ترى يقرأ الانشقاق / ويتلو على الكون / من سورة الرعد / أو سورة الزلزلة / إنها البسملة ) (17)
وما دون ذلك لم يكن لورود أسماء القرآن فى أشعارهم أية دلالة غير دلالتها القرآنية (18).
وقد كان الرواد والتقليديون من شعراء الجنوب - بالرغم من تدين خطابهم الشعري - أقل الشعراء استلهاماً للقرآن وما جاء عند أكثرهم لا يعدو اقتباساً قرآنياً شرعياً، أى لم يغيروا - غالباً - فى لفظ النص القرآن ودلالته ، وكان أصحاب الشعر الحر ، وخاصة الشبان منهم - أكثر استلهاماً واستدعاءً .
وباستعراض مجموع الدواوين بين يدينا ، وهى تتجاوز الخمسين ديواناً وعملاً شعرياً ، لم نظفر بما هو متوقع من الشعراء فى تعاطيهم للنص القرآن وإنما جاء الأمر إما اقتباساً ارتضاه المتشددون من الفقهاء القدامى أو اقتباساً أعاد فكه وتغييره واستبدال دلالته القرآنية إلى ما شكل به بنية فى نصه المزاح ، أو اشتهار آيات من سورتين أو ثلاثة سورة من القرآن الكريم تعاطاها أولهم حتى استسقى بها آخرهم ، بحيث مثّل مجموع الآيات أو السور أو الشخصيات المستوحاة من القرآن ما قد يعد صدمة ، وما يؤكد أن مرجعيات الجنوبين عامة تشى - بداية - إلى التعويل على التغذية الوسيطة أو الثقافة العائمة على سطح الأذن .
ونشير أولاً - إلى أبرز النصوص لدى شعراء الجنوب ، أولها سورة "يوسف" ، فقد تداولها الشعراء مستلهمين شخصية امرأة عزيز مصر بوصفها "الشهد المر " أو خصوبة الأنثى الممكنة / المستحيلة ، ويستدعون شخصية يوسف (ص) بوصفه القادر على تأويل ما نحياه ، والمنشود فى سنوات حكومات الرمادة والمجاعة وخروج بنى يعرب من الزمكان.
وقد دارت - بدهياً - بعض حقول سورة يوسف اللغوية كالفعل " تراود" على نحو لافت كما فى قول كريمة ثابت:
- دهراً تراودنى الممالك عن حريقى ....... (19)
أو كما فى قول " أبو الفضل بدران " مازجاً بين زليخا ومريم !! :
- السماء التى راودتنى تحن إلى جذع نخلى ...(20)
أو كما فى قول أشرف الخطيب :
ويستدعى عبد الستار سليم صاحبى يوسف (ص) وهو يخاطب حبيبته / الوطن ، فيكون هو حين تجيئه ليلاً الذى قال له يوسف اذكرنى عند ربك :
- حين تجيئين ليلاً
وحين أراكِ ... أرانى أعصر خمرا .... (22)
فى حين يتأزم حمدى مهدى إحباطاً فلا يرى نفسه قادراً على دفع ما يعانيه لأن الحياة ألقته فىالجب شيخاً كسيحاً .
- ليس كيوسف / يأتيه الركب / يوافيه هذى السنين السمانا : (23)
وتراه غنية عبد الرحمن بوصفها الرؤية/ العطاء نخلة مريم إن هزها العاشق/ الفارس فإنه سينعم بالوصل، وتأبى وتتأبى أن تكون هى البادئة :
( فإن هززت / يساقط فى راحتيك الشهد والرطب / ... فما أنا بالتى تقد القميص / من دبر (24) .
ويرى محمود الأزهرى فيها معنى صوفيا يذكرنا بمعالجة الأدب الفارسي لقصة يوسف :
( كم باباً غلقت امرأة عزيز الأرض / فى رأى خمسة أبواب / فى رأى آخر / سبعة / قال التلميذ كلاماً أبهم عنى / فأشار الشيخ / قال : الأبواب لها تفسير مخصوص .... إلخ .... (25) .
وبينما يستدعيه كل من جميل عبد الرحمن وسعد قليعى وجمال عبد العزيز بدوى وعبد الناصر هلال فى مسحة تناصية هادئة فى هذه الشواهد:

- قُدَّ القميص على عرى الفتى مزقاً

 

إذ غُلَّق الباب ما قالت له استبق (26)

- جمالك يوسفى السحر ينفذ فى شرايينى ... (27)
- فليست حبيبة عمرك ( يوسف ) / يطل من الغيب بعد العناء / .... / وكل الشواهد / تقول بأنك واه سقيم / فتصرخ فىّ " فصبر جميل " ... (28)
- همت سعاد هممت ، هتفت كشفت عنك غطاءك ........ (29)
يأتى كل من أحمد أمين الشيخ وأحمد عمر باستدعاء شخصية يوسف . ليتناص النص القرآنى مع النص المستدعى إليه ليشكل نصا الشاعرين استلهاماً مقبولاً إن لم يكن جيداً . فيفرد الشيخ قصيدته " يوسف افتنا " وكأن ما بيننا وما بين زمن يوسف عليه السلام قبل أن يعيد عصر الخصوبة لم يكن .
- أيها الصديق يوسف : افتنا
نحن نغرق / فى محيطات الجفاف ... إلخ ... (30)
وجاءت قصيدة أحمد عمر استلهاماً جيداً ورؤية معاصرة ضفرها من لغة سورة يوسف مثل - الشمس - القمر - الكواكب - الجب - القميص ... ويقول فى أولها :
اقصص رؤياك على إخوتك الموتورين ..... (31)
حتى ينتهى بالعدول عن هذا .
حتى ينتهى بالعدول عن هذا .
وأيضاً ومن السور القرآنية التى تداولها نفر من شعراء الجنوب استلهاماً واستدعاءً واقتباساً سورة (طه)، ومثلما شاع فى السورة السابقة فعل " تراود" تشيع هنا جملة " اخلع نعليك " فيقول أبو الفضل بدران اضطراداً لتفسير المتصوفة أن " النعل " يعنى الذات ، فيخاطب محبوبته فى قصيدته " فيض " ( ها أنا موءود فى عينيك / أتمشى تحت خيامك / أو أتجول بين الرئتين / وأبنى منتجعاً للحزن فذاك مقام الدهشة / فاخلع نعليك تجرد / وألبس رقعة ظلى / هذه السورة / فاسمع ما يوحى" (32) .
وتراه غنية عبد الرحمن قيساً " العاشق الجمعى أو المهدى المنتظر الذى اختارته ليدخل ملكوتها وقد أعاد الجدب خصوبة والقلق سكينة ، مازجة بين رؤيتى . زليخأ يوسف والذات الألهية التى نادت موسى فى الطور:
( إنك قيس / قد فجرت بيدك الصخر / ألهمتهم منذ سنين / ورويت الظمأى / وهديت الحيرى / وأرحت الشيخ المسكين / ولما ارتج الجبل إليك / وقال الشوق لك هيت / حنانيك أخلع نعليك / إنى اخترتك / لتكون ظلال النرجس والتكوين " (33)
ويقول محمود مغربي مناديا موساه أو مهديه المنتظر :
- كل هذا الوقت/ تمكث وحدك/ اخلع نعليك/ تناثر/ فى الأشياء حواليك(34)
وما زال الشعراء يستدعون من سورة (طه) فيقول أحمد مرتضى عبده فى تشكيل مغاير ومدلولات ضافية :
- (اقتربى منى / إنى آنس ناراً فى الرماد / وحقولاً من الحلم المعطر (35)
ويورد محمود الأزهرى الآية 84 من السورة فى تضاعيف نصه :
( حين جمعنا / قالوا : محمود جاء بمعنى القافية / لا أدرى هل أخطأت بذكر النص ؟! / أم إنى " هم أولاء على أثرى / وعجلت إليك رب لترضى " ! فقدنا" هم " بتفتت "نا" ماذا قال العباس بن الأحنف عن فوز (36)
وكذلك عبر الناصر هلال أورد الآية رقم 39 من السورة " وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى " فى نصه الشعرى بعد أن غيّر وبّدل فيها ما يلائم رؤيته الشعرية "ليس فى نطفتى / سوى رجل / لذا / ألقيت عليكم محبتى / ودخلت سر المخاص " ( الخروج صـ 84)
ويضع علاء الدين نفسه مع الخطاب القرآنى فيجعل منها موسى ليوضح لنا عن طريق المفارقة بين " مَنْ ألقى عليه الله محبته وصنعه على عينه وبين إنسان هذا العصر :

" جئت على قدر يا علاء الدين

 

ألا ساءت أيامك سوء ... (37)

ويفزع أحوالنا عبد الستار سليم حينما يوازى بيننا وبين قوم موسى الذين أغضبوا موسى : " مازلنا حول العجل الجسد نصلى " (38) مستدعياً إياه من النص القرآنى (88 طه ، 148 الأعراف).
وترى قليعى يقول " وما تلك ؟! قال هى الخيل تركض نحو التقهقر / نحو الإياب " (39) من ( وما تلك بيمينك يا موسى - 17 طه ) .
وسيطول بنا الأمر لو تتبعنا انتشار آيات معينة عند شعراء الجنوب مثل "تبت يدا " أو " مغتسل بارد وشراب " أو " لعلك باخع نفسك " " سآوى إلى جبل يعصمنى " أو " ويعرف المجرمون بسيماهم " أو " فاضرب بعصاك البحر " ولا تفسير إلا التغذية الوسيطة ، والاكتفاء - أو يكاد- بمعرفة بعض ما عرفه سابقوهم واستلهموه شعرياً.
ويتبقى أن نشير إلى ظاهرتين فى استخدام شعراء الجنوب الشبان للنص القرآنى من خلال رؤية مغايرة ، يحاكون فيها هندسة النص القرآنى اللغوية لانتاج دلالات تتباين وتتقاطع مع النص القرآنى ، مؤثرة فى المتلقى عن طريق صدمة المفارقة ، فيقول محمود الأزهرى فى قصيدته " نبوءة " :
ماذا تعطينا تغريد
قالت :
إنا أعطيناك البحر العطشانا.
وأعطيناك الجبل الملآنا .
وأعطيناك الكيك الخسرانا .
كانت تغريد معجزة فى اللغة
إذ يتحرك فى فمها الحرف الساكن .... إلخ (40)
ويبين محمد عبد الظاهر الذين كرسوا فى وجدان الأمة المثل القائل " إن لقيتهم بيعبدو العجل حش وارميله " فيستدعى من فاتحة القرآن عبودية الله إلى عبودية الحاكم / العجل ( أبيس الفرعونى ) ، فيقول :
- ( وقت الظهيرة فى الدجى / يترسم النساك فيه / نشيدهم : / إياك نعبد يا " أبيس " زماننا / والحمد لك / وبك الهدى " (41)
ويتلقط أبو الفضل بدران من سورة عبس (آية 31) ومن سورة النور آية 35) ليقدم فرحه الذى هو أشبه بمعنى " أبَّا " فى قوله تعالى " فاكهة وأبا " عند عمر بن الخطاب فيقول " لكنى أؤمن أن الفرح تشكل زيتونا / والزيتون توالد فاكهة / والفاكهة احترقت أبا / وضباب قد لف الناحية الشرقية لا الغربية " (42)
ويلجأ شعراء الجنوب إلى استدعاء النظم اللغوية للنص القرآنى ، وخاصة القسم الذى يدخل على الجمل القصيرة المتوازية التى تؤدى الفواصل دورها فى التوظيف الدلالى ليتناص هذا النسق مع رؤيتهم الشعرية، ويتسرب فى ذاكرة المتلقى ونكتفى - لضيق المساحة مشاهدين :
كما يقول عزت الطيرى :
والبلبل إذ يحزن ، والبدر إذا أذعن، لأوامر عينها/ فتمسكن / والعصفور إذا صوصو / إذ يخرج من رحمة رحم البيض إخلال الجو / أن سوف ترينا ، مملكة بادت، وبلاداً عادت ، وحدائق من زمن غابت / وفواكه لم ترها عين " (43) .
وقد قال محمد أبو دومة :
- والوجه إذا هش ، وعسل العينين وما قدّس ، والأنف النقش ، وفمها البرعم إما يهمس ، والغمزة فى نون المشمش ، والجيد الأملس ، والرمان إذا وشوش ، وأنامل تتوقى دغدغة اللمس ، وخصر غلبته النشوة داعب طيات الثوب السندس ، وقلب القلب وما وسوس ، ما حاد وما غش(44) .
3- ولا ضير ( ضير ) - أذن أن تقول كريمة ثابت :
- والشاى الداكن/ لأعيدن إلى الأوراد طفولة ليل مسكون بدمائى. وجلالك/ لتموتن وأحيا/ قداسا عضاً(45)
(ب) استلهام الأحاديث النبوية :
- مكانك فوق النجم يا أيها النبي .
لو قرأ أحدنا نصف هذا البيت السابق ما خالطه ظن أن الشاعر لا يمدح إلا الرسول r ، بيد أن شاعرنا الرائد يكمل صدر مطلع بائيته بهذا العَجُز :
..... وليس إلى درج صغير بمكتب .
إذ أننا إزاء قصيدة قالها الشاعر فى ابن عمه حينما رقى ناظراً لإحدى المدارس ، وحجة الشاعر الرائد أنه جعل عنوانها " ورثة الأنبياء " (46)، بوصف ابن عمه عالماً و " العلماء ورثة الأنبياء كما جاء فى الحديث النبوي (47) .
ولقد وجد شعراء الجنوب - شأنهم شأن شعراء المسلمين - فى أحاديث النبي صلوات الله وسلامة عليه وفى شخصه صلى عليه الله استلهاماً واستدعاءً واقتباساً ، فقد استلهم غير شاعر جنوبي شخصية الرسول التى بقيت محاطة بالحذر عند استدعاء الشعراء إياها ، فاستخدموها فى دلالات محددة حيث الرسول يحظى بأكبر قدر من القداسة فى نفوس الأمة " (48) .
 
وقد استلهم درويش الأسيوطى شخصية الرسول فى قصيدته " إلى سيدى محمد " بسبب اغترابه عن الحاضر الذى فقد الإنسان فيه قيمته وسادت العصبية والتفرقة ( ... ولم نعد خير أمة / إذ دهانا أرذل الناس / فى الزمان الهوان / واستبحنا دماءنا واستحلت / بفتاوى الغوغاء والكهان / وعدونا بكل واد سبايا / وحشايا بمجلس السلطان ) مشيراً إلى الحديث النبوي " توشك أن تتداعى عليكم الأمم " ( 49 ) .
ويتقرب شعراء الجنوب إلى الرسول فترى منهم من يصدر قصيدته بحديث الرسول r " اللهم حاسبنى فيما أملك ولا تحاسبنى فيما لا أملك " ليجد فى حديث الرسول r مسوغاً لما جاء فى قصيدته ذات البعد العاطفى الذاتى وعنوانها " ليتنى أملك الحب " (50) . ونجد آخر (51) يكتب عن رؤيته الرسول فى المنام :

فأنت شفيعنا يوم التخلى

 

عن الانساب والأحباب طرا .

رأيتك فى المنام فيا حبيبى

 

فداك أبى وأمى وجدا أحرى

فطلعة أحمد فى النوم حق

 

يكلف من رأى حمداً وشكراً.(52)

ويشتد التناص الحديثى فاعلية فنرى سعد قليعى يقتبس من قول الرسول " زملينى " إلى السيدة خديجة ، رضى الله تعالى عنها ، لتشد من أزره عند نزول القرآن ليخاطب قليعى محبوبته / الوطن بقوله - زملينى
فقد اتعبتنى الجراح

- زملينى

فهذا المساء الجنوبي باردْ . (53)
وتوسع درويش الأسيوطى من المخاطب المفرد إلى المجموع موضحاً سببية رجائه:
( زملونى / زملونى / ليس من برد أتتنى / تلكم الرعدات / لكن من شجونى ) (54).
ويقتبس عبد الناصر هلال ما رواه ابن اسحاق عن يعقوب عتبة فيما دار بين الرسول r وأبى طالب ... " فقال رسول r : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى ، والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ما تركته ... " (55) فيعادل برسالة محمد r رسالته هو فيقول فى قصيدته " رسالة "
- ولو وضعوا الشمى بكفى .
والقمر يعرج تحت قميصى
لن أتخير إلاكِ
عيناك رسالة ربي .... (56)
ويقول - عيناك لغة / صلوات خمس / الأولى : خيط مربوط بالجرح / الثانية : أشهد : عيناها الزرقاوان / الثالثة : تيمن / الرابعة : تهدج / الخامسة : قيامة / فلذلك/ لن أتخير إلاك/ حتى .... !/ أو أهلك دونك" (57).
ويستدعى مصطفى رجب مجموعة من أحاديث الرسول وخطبه متأثراً بما أحدثه أمل دنقل من تناص مع الحديث النبوي " الناس سواء كأسنان المشط" (58) حيث يقول أمل دنقل " الناس سواسيه - فى الذل - كأسنان المشط ".
ينكسرون - كأسنان المشط
فى لحية شيخ النفط " (59)
فيقول مصطفى رجب :
- إن الناس - كأسنان المشط - سواسيه فى حب النفط .
- فحب النفط من الإيمان .
- لا فضل لعربي إلا بالنفط (60)

وسنضرب صفحاً عن تأثر الشعراء بالأحاديث النبوية التى جاءت تفسيراً لها كقول أمين الشيخ - نحن كالبنيان نبدو ... هكذا قال النبي (61)، أو تأثر الشعراء بعلم الحديث حتى وإن جاء مفارقاً لأصول علم الحديث كقول مصطفى رجب فى قصديته " من خطبة مفقودة لزياد بن أبيه " ماء جاء فى نهايتها " ويروى عن الأحمر بن الأحيمر قال عن الأخضر بن الأخيضر قال عن الأصفر بن الأصيفر قال عن ابن ( المقفع ) قال : إذا جعت كل ... " رواه حسين وقال : حسن ! " (62) .

(جـ) التراث الصوفى :-
- أبانا الكريم الذى فى الزمالك .
أتيتك من جنبات الصعيد .
أفر إليك من الجهل والخوف فرا .
فما زال قومى فى الريف يخشون بأس الرغيف .
وبأس الطبيب وبأس العريف .
وما زال قومى يعيشون كل كرامات شيخ الطريقة.
وما زال شيخ الطريقة يشفى العليل ويروى الغليل
ويحكى حكايا عن الفيل والنمل والخنفساء .
وما زال قومى حول الربابة ينتفخون
وتهتز أشداقهم والشوارب حين يريش
الزناتى سهامةْ
وما زال قومى حول الضريح يطوفون
يلتمسون السلامةْ . (63) (مصطفى رجب) .
من البدهي أن يتأثر شعراء الجنوب بتراث الصوفية الذى وجد فى أرض الجنوب بيئة خصبة لازدهاره وسيادة القطاع اللاواعى فى الذات العربية ، ومن ثم فلا نعدم وجود شعراء جنوبيين يعملون بالتصوف، ويحتلون مراتب عليا فى الطرق الصوفية .
ولعل محمد أبو دومة - بدهيا - من أشهر شعراء الجنوب تأثراً بالميراث الصوفي الذى ينعكس على عناوين دواوينه وقصائده . يقول فى مرثيته إلى أبيه :
- تدرى شيخى
إنى كنت أجهز لك قلبى كل مساء
أتمناك .. تلبى .. تأتى كى تسكنه
كى يتباهى فيك
تطوافك يهجع فيه ... (64)
- آه .. يا من كنت النور الضارب فى عرصات القلب
منفرداً بالتيه .. مريدك .. يا شيخى .. صار الآن.
منفرداً .. منهزماً .
مفقوداً بين بدايات البسط . ، وحد القبض ... (65)
ويرى أن ليلاه ليست ككل الليليات فـ :
" هى ليلى .. توحيدى وشمولى ، والمدخل لى من قبة غفراني ومتابى .. زدنى اللهم بها ولهاً لا تصرفه وزدها بى عشقا لا يبلى ، هى ليلى محياى .. وأنت الأرأف بى منى والأعلم بى تبصرها تبصرنى .. ، تبصرني تبصرها يارب الألفة أنت لليلاى ولى .. وولىّ فأصهرنى فى ليلى واصهرها فىّ " (66) .
ويتكىء أبو دومة على اللغة فيفجر من خلالها التناصات الصوفية التى تشكل رؤاه الشعرية المعاصرة للعشق والغناء ووحدة الوجود ووحدة الشهود والفيض والنوالة والدوال الطقسيّة للمشهد الصوفي .
ويستحضر درويش الأسيوطى " الأغنية الشعبية الصوفية " والعملية الطقسية فى حلقات الذكر ، ويمر بها فى النص الشعرى حتى تتعدد الدلالة ما بين استحضار الماضى والتعبير عن مشهدية قلقه ، إذ :
" سلبت ليلى .. منى العقلا .
قلت يا ليلى ارحمى القتلى .
تتراقص فى عين الشيخ الجالس فى صدر الحضرة
يتحسس مسبحة تفترش الأرض .
- تتساقط حبات الذكر مع الأوراد ...
- يا شيخى : قابلنى طيفك فى واق الواق .
ورأيتك فوق الماء تسير
- ما معنى السر السارى فى السر ... (67)
ويخترق محمود الأزهرى " تابو " التراث الصوفي حيث تتصارع قوى الحاضر بالماضى لتشكل مستقبلاً كافكاويا - ما يحجب ذاتك عن هذا الشيخ الرضوانى .
سوى الأحذية
عن ذاتك فاطرحها .
ماذاتك إلا روح قائمة فى المسجد .
إذا تبدو بالية بين الأحذية .
فكرت تلمعها بالربع جنيه .. فكرت ....
- فى المرسى أبى العباسي
امرأة من قريتنا اصدمت بي .
- كان المرسى أبو العباس
يراقبنى والله .... (68)
ويعادل فتحى عبد السميع " المجذوب " قوى الفقد التى تجتاج ما تبقى لنا أن كان ثمة شى باقيا :
( المجذوب الذى ينزل قريتنا / كل كارثة / ويربكها بخطواته المترنحة / وطلاسمه التى ينثرها فوق الرؤوس/ وسرعان ما تحولها الأيام إلى هداهد/ لماذا يتفقدنا هذه المرة/ بخطوات حادة/ودون أن ينبس بحرف واحد " (69)
(د) التراث اليهودى والمسيحى :
يمثل التراث اليهودى والمسيحى ( الكتاب المقدس خاصة ) للشعراء المعاصرين - عامة - مخزوناً تراثياً إنسانياً ، يستدعونه فى قصائدهم،ويشكلون به بعض أيقونات رؤاهم الشعرية أو يتدون به بنى خطابهم الشعرى ، والأمر اللافت للقلق ، وهو يمثل خللاً بيَّناً يتحتَّم على الدولة ومؤسساتها دراسته وعلاجه هو هذا الانحسار الفادح فى أعداد الشعراء ( الأقباط ) فى مصر عامة والجنوب خاصة على خلاف ما كان ما عليه الأمر منذ عدة عقود(70) .
ويمكن الزعم أن التراث اليهودى والمسيحى لم يكن يمثل حيزاً فى شعر "الرواد الجنوبين " ، ومن سار على هداهم من أبنائهم وحفدتهم ، فعلى حين اعتصم جل الرواد بالدين الإسلامي ، جاعلين نظمهم " خطاب موعظة ، وتفسير آية " ، ومشيدين به فى كل صغيرة وصغيرة ، واتخذ بعضهم شيئاً من خطابه الشعرى سلاحاً يدافع به عن الإسلام مهاجماً تراث الآخر الدينى والعقيدي، فنرى أحدهم يعنون إحدى قصائده بـ " بينى وبين ملحد " (71) ويكتب شاب قصيدة عنوانها " صلب المسيح " ، كتبها " بعد حوار مع مبشر مصرى قضى فترة فى اليونان ، وطلعها :
-سخروا وما من زلة لو أدركوا....ما ابتغى من ضربىَ الأمثالا (72)
والقصيدة نوع من الجدل العقيدى الهش الذى يفتت من عضد أبناء الأرض والتاريخ واللغة والموروث الثقافى ليرتد بنا - فى استدعاء أكثر هشاشة - إلى عصر الاصطراع العقيدى إبان حروب الفرنجة أو ما تسمى فى أدبيات الفكر الغربي " الحروب الصليبية " ، فيتناص الشاعر - من حيث لا يدرى - بمطولة البوصيرى المخرج والمردود فى الرد على النصارى واليهود" (73) ، والتى يقول مطلعها :
- جاء المسيح من الإله رسولا - فأبى أقل العالمين عقولا .
وبالرغم من ذلك نرى ( محمد أبو الفتوح ) لا يستنكف وهو ينادى أمة الإسلام التى يجب أن تتخلص من فراعينها أن يقول لشبابها :
- فأين منكم ( كليم الله ) ينقذنا ... من ساحر خادع جاث إلى وثن (74)
ذلك المخلص ، المهدى أو الجودو المنتظر سواء أكان موسى أم عيسى أم غيره يراه عبد الستار سليم أمراً مستحيلاً :
- ماذا لو جاء مسيح الله لإيقاظ الموتى .
عفواً ساعات اليوم الفائت
مازلنا حول العجل الجسد نصلى .
فى استغراق ، نستجدى البركة
نتمايل مثل دراويش
فى حلقات الذكر اللارسمى ... (75)
والطريف - هنا - أن تجد من رواد الجنوب الذى ملأ ديوانه بقصائد مثل " رؤيا أشواق صوفية - الله أكبر - ورثة الأنبياء - دعاء الإحرام ... " يكتب قصيدة يخاطب بها الفارس الذى يحطم دولة الظلم أو العالم الذى "يرى عائداً يضم كتابا" ويعنونها بـ"فى انتظار جودو(76)" فقط هى الثقافة السماعية العمياء بداهة .
ويمكن الزعم - أيضاً - أن أمل دنقل " ألقى تأثيره الأجلى على شعراء العربية المعاصرين منذ أن كتب سفر التكوين ، وصلاة ... (77) ، ولا شك أن شعراء جنوب مصر كانوا أكثر تأثراً بابن بيئتهم ، فالنص الانجيلى الذى يقول".. أبانا الذى فى السموات، ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك... (78) والذى استدعاه أمل للتعبير عن اغترابه فى ظل سيطرة السلطة عن طريق المفارقة ، حيث استبدل لفظة السموات بلفظة المباحث / السلطة (79) حينما قال " أبانا الذى فى المباحث : نحن رعاياك / باق لك الجبروت / وباق لنا الرهبوت ، ...... (80) نرى مصطفى رجب يستبدل ذلك بطه حسين فيكتب قصيدته " إلى طه حسين" (81) قائلاً : "أبانا العظيم الذى فى مغاغة"، وفيها يقول " أبانا العظيم الذى فى مغاغة / دراك دراك فإن البلاغة صارت بغيا/ يراودها الأرذلون ، يخاصرها الأخسرون / فتعظيمُ ثديها يعبثون ، .... " ، وتتطور فقرات القصيدة بأطوار طه حسين العمرية (أبانا العظيم فى فرنسا) ( أبانا الكريم الذى فى الزمالك ) ( أبانا العظيم الذى فى الخلود ) ، وقد كشف فيها رجب عن ثقافة الصعيد ومرجعياته على نحو مفجع كما مر فيما سبق .
فلا تثريب - بالتأثر الدنقلى - أن تنتشر ألفاظ مثل " مزامير " سواء على مستوى الدواوين كديوان عبد الستار سليم " مزامير العصر الخلفى " والذى يشكل به ضفيرة من التشكلات والاستدعاءات التي يبنى به رؤاه الشعرية ، وتنتشر اللفظة على مستوى القصائد والقطع الشعرية ، وكذلك ألفاظ من قبيل " الأسفار - تراتيل - آيات - العهد القديم " وجل ورود هذه الألفاظ يجىء منبتاً لا علاقة له بالأصل غير أقحام الألفاظ اقحاماً (82) .
وقد وجد شعراء الجنوب ( ما بعد السبعينات ) فى التراث اليهودى والمسيحى ما يشدون به عضد بنى قصائدهم استلهاماً واستدعاء وتناصا ، فعلى حين يستدعى أبو الفضل بدران من النص التوراتى ( سفر التكوين ): "وسمعا - أى حواء وآدم - صوت الرب ماشياً فى الجنة عند هبوب ريح النهار،فاختباً آدم وامرأته من وجه الرب الإله فى وسط شجرة الجنة ، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له أين أنت " ؟! ، فقال : سمعت صوتك فى الجنة فخشيت لأنى عريان فاختبأت .... " (83) . يقول بدران مخاطباً حبيبته فى قصيدته "نقوش على جذوع الغابة " :
- هل تعدو تلك اللحظة ذكرى .
دقائق من ماضى ينسى
والله تجلى فى أثواب الغابة .
كى يسمع وقع الأقدام على الأعشاب .
تلامس كتفينا ... الخ (84) .
يستدعى محمود مغربي - فى بعد قومى - بدء التكوين - فى البدء كان الكلمة " ليعادل بها - مزجاً بتاريخه المصرى القديم - الحجر الفلسطينى ، فيبدأ تحية للمقاومة الفلسطينية :
- فى البدء كان الحجر
قدس الأقداس ... (85)
فى حين نرى جميل عبد الرحمن يكتب قصديته " صفحات من مذكرات يحى " - فى ديوانه " ابتسامة فى زمن البكاء " فيستخدم شخصية يحى رمزاً للطهر الذى يقاوم الغواية والشر ، وسالومى رمزاً للخيانة والغواية ، وقد استخدم الشاعر فى عرض رؤيته تقنيات المسرح من حوار وشخصيات أماكن وصراع ونهاية " (86) .
ويمزج أحد الشعراء الشبان بين " السامرى - ويهوذا - واليزيد
(
ابن معاوية ) مع سالومى وكربلاء والمسيح والحسين وسيد الشهداء وما يعانيه المبدع من صراع فى دولة " قمعستان " على حد تعبير نزار . ، يقول أحمد مصطفى فى قصيدته . لقمان يحذر " :
- احذر يا بنى / أن تكتب عن الليل وأتباعه
فالسامرى ويهوذا واليزيد مع سالومى فى كربلاء يرقصون .
آه يابن العذراء آه يا معمدان ... آه يا سيد الشهداء.
لم ترهبهم - توارة - إنجيل - قرآن .
- إن تفعل يا بنى تهان / تصلب على أقلامك ...(87)
ويلجأ محمود الأزهرى إلى اقتباس النص الأنجيلى الذى يقول " اقتسموا ثيابي بينهم ، وعلى لباسى ألقوا قرعة " (88) فيقول فى قصيدته " تلك الساعة " .
لكن قال التلميذ الطيب :
ثوبى يقتسمون
وقميصى يقترعون عليه " (89)
وتعد كريمة ثابت من أظهر الأصوات الشابة فى جنوب مصر تأثراً بالموروث اليهودى والمسيحى فتقول فى ديوانها " أسفار امرأة فى جيب قميص " :
- حزنان من أجلى الرب .
- سيأمر كل ملائكة الغيث بإغراق بوارى .
سيقيم بعيداً فى الآفاق العلوية عرسى ... (90)
- الرب عليم يقرونى كل مساء
يتحرى كل خطيئاتى .... (91)
وتقول - من أهَّلك طفلاً / إلهىَّ الخصال / هل يستطيع الرب أن يجتثنى من مفرادتك (92) . وتقول فى القصيدة التى يحمل الديوان عنوانها فى سفر الدهشة "
( أنا لحبيبى وإلىَّ اشتياقه )
فبماذا عَّباك نشيد الإنشاد " . (93)
وتقول . كان الرب يجادلنى فيك فأقصينى عنى
والرب يجىء فيزرعنى ألقاً ... (94)
وتقول مستدعية رقصة سالومى
- أحياناً / تخطر لى / أن أرقص عارية فوق رفاتك (95)
وكذلك نجد قدراً من اشكال التناص مع الخطاب الانجيلى عند علاء الدين رمضان فى ديوانه: ديوان المتتاليات على نحو ما أشار أحد الباحثين(96) .
(3)
استلهام التراث الأدبي :
من المفترض أن يمثل التراث الأدبي . بمفهومه الوسيع - حوزة فنية ومرجعية بارزة لشعراء الجنوب ، شأنهم شأن شعراء العربية ؛ قدامى ومحدثين ومعاصرين، حيث يؤدى استدعاء النص التراثي القدرة على الإيحاء والتأثير بما للنص التراثي من مكانة فى ذاكرة أبناء الأمة ووجدانهم .
ولا نريد - بداية - أن نصدر أحكاماً قد تبدو قاسية بشأن معرفة شعراء الجنوب بالتراث الأدبي ، وقدرتهم على استلهامه والتناص معه ، ولقد رأينا من شعراء الجنوب المجيدين من يجعل عنوان أحد دواوينه يحمل قدرته على استدعاء شاعر ثراثي مثلما فعل مصطفى رجب فى ديوانه " اعتراف جديد لابن أبي ربيعة " بل ومن شبيبة الشعراء مثل أحمد سعيد مصطفى فى ديوانه " صرخة أبى العلاء " .
سنلم بخريطة التراث الأدبي لدى شعراء الجنوب وفق حدودها السياسية، مبينين قدرتهم على امتصاص النصوص التراثية أو استدعاء الشخصيات الأدبية ، ومما نشير إليه - مسبقاً - أن طائفة من الشعراء جعلت من أشعارها تراثاً أدبياً تستدعيه مرة أخرى أو تستنسخه على نحو فج ممجوح.
باستثناء نفر قليل جداً من شعراء الجنوب أعرض أبناء الجنوب عن التراث الأدبي الجاهلى ، وربما كان جميل عبد الرحمن من أبرز شعراء الجنوب تطلعاً إلى التراث الأدبي وتنوع مصادره ، ففى ديوانه " ابتسامة فى زمن البكاء" اعتمدت أهم قصائده - كما وضح مراد مبروك - على التناص الأدبي مثل الزير سالم يبحث عن شاطىء ، من أقوال تأبط شرا ، وصية الزباء الأخيرة " ، فيكون النص عنده بمثابة الخطاب الخاضع لقوانين طبيعته المادية،فهو لا يعكس التاريخ أو النص الأدبي الجاهلى لكن هذه الأنماط جميعها مضمنة فى النص على مستوى الدال ، وبالتالى يكون الخطاب الشعرى نتاجاً لهذه الأنماط " (97) .
ويتخذ مصطفى رجب فى قصيدته " أبجدية أخرى " من استدعاءات نصوص جاهلية وشخصيات جاهلية إحداث المفارقة التراجيكوميدية جراء ما تقوم به أمة الإسلام مع ( فـ .. لـ .. س .. ط .. ى .. ن ) يقول :
- الفاء : فرقعة الخطب .
- واللام : لام الأمر للساقى الأغر
" فاليوم خمر "
وغدا له رب يدبره (98) .
- والياء : " يشرب غيرنا كدراً / ونشرب / إن وردنا الماء / هل ما زال ماء ؟!
- والنون : نحن إذا الجبابر عندنا خرت لأصغرنا/
ونحن إذا ابن هند سامنا خسفا / قبلنا يديه
ويتخد كذلك - من عبارة " قفا نبك " تيمة يلكز بها عجزنا القومى الفادح فيقول :
( قفا نبك / ورددها وراء الهالك الضلّيل آلاف من العرب / قفا نبك/وهذى عبلة العربية بين السبى والهتك / وهذا عنتر العربى مسترخ /يعب الخمر فى بله / يعربد فى مرابعنا / ويحكى عن مكارم جده العبسى يحكى قصة الأفك/قفا نبك/وهذا عنتر العربى/من درك إلى درك)(99).
وقد عمد مصطفى رجب إلى الاقتباس من شعر النابغة فى قصيدته " من ليالى النابغة " (100) إلى الحد المفرط الذى شتَّت رؤيته الشعرية فسقطت بين بين.
وما بين ملامسة " الرواد " للتراث الجاهلى دون فاعلية فنية تذكر ، مثل قول عبد المجيد محمد طه فى قصيدته " نصيحة " ومطلعها :

أرح فؤادك لاحب ولا نصب

 

والعب فإن جميع الناس قد لعبوا

يقول فيها :

" ودع أميمة إن الركب مرتحل

 

ولا تظنن أن الناس تنتحب

يا ضيعة القلب لو كانت لواعجه

 

لكل كتكوتة بالحسن تصطخب (101)

وما بين تهكم " كريمة ثابت " - مثلاً - فى قولها :
- راحت " تزوَّغ " من ثرثرات المحاضر
حين يسائلها عن قصيدة ( عمرو بن كلثوم ) .
تمرق من شفتيها قصديتك الرائعة (102) .
تبين لنا اتخاذ شعراء الجنوب - سوى المجيدين منهم - التراث الجاهلى تراثاً مهجوراً ، ولم يكن العصر الإسلامي والأموى لدى شعراء الجنوب إلا وعاء مهشماً باستثناء مصطفى رجب الذى استدعى شخصية عمر بن أبى ربيعة فى قصيدته "اعتراف جديد لابن أبي ربيعة"(103) واقتبس مطلع قصيدته " ليت هندا أنجزتنا ما تعد " وختمها بقوله " كلما قلت متى موعدنا " ، وكذلك ما أورده فى قصيدته "من خطبة مفقودة لزياد بن أبيه" (104) دون ذلك مما أورده الشعراء عرضاً من أسماء شعراء أو ألقاب قصائدهم ( الأخطل - بانت سعاد ..) (105) لم يكن وعى شعراء الجنوب بهذا التراث إلا ثراثاً غائباً ودعك مما يدعيه أحدهم بقوله :

حسان جدى والكميت أعزنى

 

بقريض شعر ماله نقصان

حسان جدى والكميت أعزنى

 

بقريض شعر ماله نقصان

وجرير عمى والفرزدق مبتغى

 

فن الهجاء لقومنا تفنان

خنساء أختى يا فتاتى فاعلمى

 

ذاك القصيد إلىَّ والأوزان(106)

ولم يكن نصيب التراث العباسي والأندلسي أفضل من سابقه إلا قليلاً،فلم يجد شعراء الجنوب من شعر بشار بن برد إلا قوله :

أذنى لبعض الحى عاشقة

 

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

فأورده محمد أبو الفتوح على هذا النحو :
قالوا وكـم قاتل للـدر مزدانــا الأذن تعشـق قبـل العيـن أحياناً(107)
ومحمود بكر هلال فى قصيدته " الأذن تعشق " التى كتبها فى مطربة عربية تعشقها، وفيها يقول الناظم :

قالوا له : قد سافرت فى بعثة

 

قد كانت الأخبار عنها تعلن

فأصابه ما قد أصاب رصيفه

 

فى الحب بشاراً فراح يدندن

يا قوم أذنى قد أصاب غرامها

 

قلبى بمن تغرى العيون وتفتن (108)

ولم يجدوا فى شعر الشافعى إلا قوله : سافر تجد عوضاً عمن تفارقه " فأوردوه فى نظم كقول عبد الصبور السايح :
- وذكرت قول الشافعى ومن مضى
عما يعود من السفر ....(109)
أو مصطفى رجب فى قصيدته "من مقام الغربة".
( قالت وبين حروفها حزن يراوغ وانفعال :
سافر تجد عوضاً
فقلت لها : محال
الله لم يخلق عيونك مرتين !! ....(110)
ويضمن أحمد منصور نفادى "ولرب نازلة يضيق، ولا تجزع لأحداث الليالى" فيقول ناصحاً " :

ولا تجزع إذا ما الشر ناب

 

نوائبه وأمعن فى دجاه

لأن وراء ضائقة الليالى

 

لكل مقوض فرجاً يراه...(111)

ولا يجدون من شعر العباس بن الأحنف إلا اسمه(112) ولا من شعر أبى فراس الحمدانى إلا ما ضمنه أحمد الخياط فى قوله :

إذا الليل أضوانى دهتنى حالة

 

وحيرت فى أمرى حنانك يارب(113)

ولم يكن للمعرى نصيب باستناء ما استدعاه درويش الأسيوطى ( نونية المعرى الشهيرة ) :

عللانى فإن بيض الأمانى

 

فنيت والزمان ليس بفان