(ب) استلهام الأحاديث النبوية :
- مكانك فوق النجم يا أيها النبي .
لو قرأ أحدنا نصف هذا البيت السابق ما خالطه ظن أن الشاعر لا يمدح إلا الرسول r ، بيد أن شاعرنا الرائد يكمل صدر مطلع بائيته بهذا العَجُز :
..... وليس إلى درج صغير بمكتب .
إذ أننا إزاء قصيدة قالها الشاعر فى ابن عمه حينما رقى ناظراً لإحدى المدارس ، وحجة الشاعر الرائد أنه جعل عنوانها " ورثة الأنبياء " (46)، بوصف ابن عمه عالماً و " العلماء ورثة الأنبياء كما جاء فى الحديث النبوي (47) .
ولقد وجد شعراء الجنوب - شأنهم شأن شعراء المسلمين - فى أحاديث النبي صلوات الله وسلامة عليه وفى شخصه صلى عليه الله استلهاماً واستدعاءً واقتباساً ، فقد استلهم غير شاعر جنوبي شخصية الرسول التى بقيت محاطة بالحذر عند استدعاء الشعراء إياها ، فاستخدموها فى دلالات محددة حيث الرسول يحظى بأكبر قدر من القداسة فى نفوس الأمة " (48) .
وقد استلهم درويش الأسيوطى شخصية الرسول فى قصيدته " إلى سيدى محمد " بسبب اغترابه عن الحاضر الذى فقد الإنسان فيه قيمته وسادت العصبية والتفرقة ( ... ولم نعد خير أمة / إذ دهانا أرذل الناس / فى الزمان الهوان / واستبحنا دماءنا واستحلت / بفتاوى الغوغاء والكهان / وعدونا بكل واد سبايا / وحشايا بمجلس السلطان ) مشيراً إلى الحديث النبوي " توشك أن تتداعى عليكم الأمم " ( 49 ) .
ويتقرب شعراء الجنوب إلى الرسول فترى منهم من يصدر قصيدته بحديث الرسول r " اللهم حاسبنى فيما أملك ولا تحاسبنى فيما لا أملك " ليجد فى حديث الرسول r مسوغاً لما جاء فى قصيدته ذات البعد العاطفى الذاتى وعنوانها " ليتنى أملك الحب " (50) . ونجد آخر (51) يكتب عن رؤيته الرسول فى المنام :
|
فأنت شفيعنا يوم التخلى |
|
عن الانساب والأحباب طرا . |
|
رأيتك فى المنام فيا حبيبى |
|
فداك أبى وأمى وجدا أحرى |
|
فطلعة أحمد فى النوم حق |
|
يكلف من رأى حمداً وشكراً .(52) |
ويشتد التناص الحديثى فاعلية فنرى سعد قليعى يقتبس من قول الرسول " زملينى " إلى السيدة خديجة ، رضى الله تعالى عنها ، لتشد من أزره عند نزول القرآن ليخاطب قليعى محبوبته / الوطن بقوله - زملينى
فقد اتعبتنى الجراح
-
زملينى
فهذا المساء الجنوبي باردْ . (53)
وتوسع درويش الأسيوطى من المخاطب المفرد إلى المجموع موضحاً سببية رجائه:
( زملونى / زملونى / ليس من برد أتتنى / تلكم الرعدات / لكن من شجونى ) (54).
ويقتبس عبد الناصر هلال ما رواه ابن اسحاق عن يعقوب عتبة فيما دار بين الرسول r وأبى طالب ... " فقال رسول r : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى ، والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ما تركته ... " (55) فيعادل برسالة محمد r رسالته هو فيقول فى قصيدته " رسالة "
- ولو وضعوا الشمى بكفى .
والقمر يعرج تحت قميصى
لن أتخير إلاكِ
عيناك رسالة ربي .... (56)
ويقول - عيناك لغة / صلوات خمس / الأولى : خيط مربوط بالجرح / الثانية : أشهد : عيناها الزرقاوان / الثالثة : تيمن / الرابعة : تهدج / الخامسة : قيامة / فلذلك/ لن أتخير إلاك/ حتى .... !/ أو أهلك دونك" (57).
ويستدعى مصطفى رجب مجموعة من أحاديث الرسول وخطبه متأثراً بما أحدثه أمل دنقل من تناص مع الحديث النبوي " الناس سواء كأسنان المشط" (58) حيث يقول أمل دنقل " الناس سواسيه - فى الذل - كأسنان المشط ".
ينكسرون - كأسنان المشط
فى لحية شيخ النفط " (59)
فيقول مصطفى رجب :
- إن الناس - كأسنان المشط - سواسيه فى حب النفط .
- فحب النفط من الإيمان .
- لا فضل لعربي إلا بالنفط (60)
وسنضرب صفحاً عن تأثر الشعراء بالأحاديث النبوية التى جاءت تفسيراً لها كقول أمين الشيخ - نحن كالبنيان نبدو ... هكذا قال النبي (61)، أو تأثر الشعراء بعلم الحديث حتى وإن جاء مفارقاً لأصول علم الحديث كقول مصطفى رجب فى قصديته " من خطبة مفقودة لزياد بن أبيه " ماء جاء فى نهايتها " ويروى عن الأحمر بن الأحيمر قال عن الأخضر بن الأخيضر قال عن الأصفر بن الأصيفر قال عن ابن ( المقفع ) قال : إذا جعت كل ... " رواه حسين وقال : حسن ! " (62) .
(جـ) التراث الصوفى :-
- أبانا الكريم الذى فى الزمالك .
أتيتك من جنبات الصعيد .
أفر إليك من الجهل والخوف فرا .
فما زال قومى فى الريف يخشون بأس الرغيف .
وبأس الطبيب وبأس العريف .
وما زال قومى يعيشون كل كرامات شيخ الطريقة.
وما زال شيخ الطريقة يشفى العليل ويروى الغليل
ويحكى حكايا عن الفيل والنمل والخنفساء .
وما زال قومى حول الربابة ينتفخون
وتهتز أشداقهم والشوارب حين يريش
الزناتى سهامةْ
وما زال قومى حول الضريح يطوفون
يلتمسون السلامةْ . (63) (مصطفى رجب) .
من البدهي أن يتأثر شعراء الجنوب بتراث الصوفية الذى وجد فى أرض الجنوب بيئة خصبة لازدهاره وسيادة القطاع اللاواعى فى الذات العربية ، ومن ثم فلا نعدم وجود شعراء جنوبيين يعملون بالتصوف، ويحتلون مراتب عليا فى الطرق الصوفية .
ولعل محمد أبو دومة - بدهيا - من أشهر شعراء الجنوب تأثراً بالميراث الصوفي الذى ينعكس على عناوين دواوينه وقصائده . يقول فى مرثيته إلى أبيه :
- تدرى شيخى
إنى كنت أجهز لك قلبى كل مساء
أتمناك .. تلبى .. تأتى كى تسكنه
كى يتباهى فيك
تطوافك يهجع فيه ... (64)
- آه .. يا من كنت النور الضارب فى عرصات القلب
منفرداً بالتيه .. مريدك .. يا شيخى .. صار الآن.
منفرداً .. منهزماً .
مفقوداً بين بدايات البسط . ، وحد القبض ... (65)
ويرى أن ليلاه ليست ككل الليليات فـ :
" هى ليلى .. توحيدى وشمولى ، والمدخل لى من قبة غفراني ومتابى .. زدنى اللهم بها ولهاً لا تصرفه وزدها بى عشقا لا يبلى ، هى ليلى محياى .. وأنت الأرأف بى منى والأعلم بى تبصرها تبصرنى .. ، تبصرني تبصرها يارب الألفة أنت لليلاى ولى .. وولىّ فأصهرنى فى ليلى واصهرها فىّ " (66) .
ويتكىء أبو دومة على اللغة فيفجر من خلالها التناصات الصوفية التى تشكل رؤاه الشعرية المعاصرة للعشق والغناء ووحدة الوجود ووحدة الشهود والفيض والنوالة والدوال الطقسيّة للمشهد الصوفي .
ويستحضر درويش الأسيوطى " الأغنية الشعبية الصوفية " والعملية الطقسية فى حلقات الذكر ، ويمر بها فى النص الشعرى حتى تتعدد الدلالة ما بين استحضار الماضى والتعبير عن مشهدية قلقه ، إذ :
" سلبت ليلى .. منى العقلا .
قلت يا ليلى ارحمى القتلى .
تتراقص فى عين الشيخ الجالس فى صدر الحضرة
يتحسس مسبحة تفترش الأرض .
- تتساقط حبات الذكر مع الأوراد ...
- يا شيخى : قابلنى طيفك فى واق الواق .
ورأيتك فوق الماء تسير
- ما معنى السر السارى فى السر ... (67)
ويخترق محمود الأزهرى " تابو " التراث الصوفي حيث تتصارع قوى الحاضر بالماضى لتشكل مستقبلاً كافكاويا - ما يحجب ذاتك عن هذا الشيخ الرضوانى .
سوى الأحذية
عن ذاتك فاطرحها .
ماذاتك إلا روح قائمة فى المسجد .
إذا تبدو بالية بين الأحذية .
فكرت تلمعها بالربع جنيه .. فكرت ....
- فى المرسى أبى العباسي
امرأة من قريتنا اصدمت بي .
- كان المرسى أبو العباس
يراقبنى والله .... (68)
ويعادل فتحى عبد السميع " المجذوب " قوى الفقد التى تجتاج ما تبقى لنا أن كان ثمة شى باقيا :
( المجذوب الذى ينزل قريتنا / كل كارثة / ويربكها بخطواته المترنحة / وطلاسمه التى ينثرها فوق الرؤوس/ وسرعان ما تحولها الأيام إلى هداهد/ لماذا يتفقدنا هذه المرة/ بخطوات حادة/ودون أن ينبس بحرف واحد " (69)
(د) التراث اليهودى والمسيحى :
يمثل التراث اليهودى والمسيحى ( الكتاب المقدس خاصة ) للشعراء المعاصرين - عامة - مخزوناً تراثياً إنسانياً ، يستدعونه فى قصائدهم،ويشكلون به بعض أيقونات رؤاهم الشعرية أو يتدون به بنى خطابهم الشعرى ، والأمر اللافت للقلق ، وهو يمثل خللاً بيَّناً يتحتَّم على الدولة ومؤسساتها دراسته وعلاجه هو هذا الانحسار الفادح فى أعداد الشعراء ( الأقباط ) فى مصر عامة والجنوب خاصة على خلاف ما كان ما عليه الأمر منذ عدة عقود(70) .
ويمكن الزعم أن التراث اليهودى والمسيحى لم يكن يمثل حيزاً فى شعر "الرواد الجنوبين " ، ومن سار على هداهم من أبنائهم وحفدتهم ، فعلى حين اعتصم جل الرواد بالدين الإسلامي ، جاعلين نظمهم " خطاب موعظة ، وتفسير آية " ، ومشيدين به فى كل صغيرة وصغيرة ، واتخذ بعضهم شيئاً من خطابه الشعرى سلاحاً يدافع به عن الإسلام مهاجماً تراث الآخر الدينى والعقيدي، فنرى أحدهم يعنون إحدى قصائده بـ " بينى وبين ملحد " (71) ويكتب شاب قصيدة عنوانها " صلب المسيح " ، كتبها " بعد حوار مع مبشر مصرى قضى فترة فى اليونان ، وطلعها :
-سخروا وما من زلة لو أدركوا....ما ابتغى من ضربىَ الأمثالا (72)
والقصيدة نوع من الجدل العقيدى الهش الذى يفتت من عضد أبناء الأرض والتاريخ واللغة والموروث الثقافى ليرتد بنا - فى استدعاء أكثر هشاشة - إلى عصر الاصطراع العقيدى إبان حروب الفرنجة أو ما تسمى فى أدبيات الفكر الغربي " الحروب الصليبية " ، فيتناص الشاعر - من حيث لا يدرى - بمطولة البوصيرى المخرج والمردود فى الرد على النصارى واليهود" (73) ، والتى يقول مطلعها :
- جاء المسيح من الإله رسولا - فأبى أقل العالمين عقولا .
وبالرغم من ذلك نرى ( محمد أبو الفتوح ) لا يستنكف وهو ينادى أمة الإسلام التى يجب أن تتخلص من فراعينها أن يقول لشبابها :
- فأين منكم ( كليم الله ) ينقذنا ... من ساحر خادع جاث إلى وثن (74)
ذلك المخلص ، المهدى أو الجودو المنتظر سواء أكان موسى أم عيسى أم غيره يراه عبد الستار سليم أمراً مستحيلاً :
- ماذا لو جاء مسيح الله لإيقاظ الموتى .
عفواً ساعات اليوم الفائت
مازلنا حول العجل الجسد نصلى .
فى استغراق ، نستجدى البركة
نتمايل مثل دراويش
فى حلقات الذكر اللارسمى ... (75)
والطريف - هنا - أن تجد من رواد الجنوب الذى ملأ ديوانه بقصائد مثل " رؤيا أشواق صوفية - الله أكبر - ورثة الأنبياء - دعاء الإحرام ... " يكتب قصيدة يخاطب بها الفارس الذى يحطم دولة الظلم أو العالم الذى "يرى عائداً يضم كتابا" ويعنونها بـ"فى انتظار جودو(76)" فقط هى الثقافة السماعية العمياء بداهة .
ويمكن الزعم - أيضاً - أن أمل دنقل " ألقى تأثيره الأجلى على شعراء العربية المعاصرين منذ أن كتب سفر التكوين ، وصلاة ... (77) ، ولا شك أن شعراء جنوب مصر كانوا أكثر تأثراً بابن بيئتهم ، فالنص الانجيلى الذى يقول".. أبانا الذى فى السموات، ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك... (78) والذى استدعاه أمل للتعبير عن اغترابه فى ظل سيطرة السلطة عن طريق المفارقة ، حيث استبدل لفظة السموات بلفظة المباحث / السلطة (79) حينما قال " أبانا الذى فى المباحث : نحن رعاياك / باق لك الجبروت / وباق لنا الرهبوت ، ...... (80) نرى مصطفى رجب يستبدل ذلك بطه حسين فيكتب قصيدته " إلى طه حسين" (81) قائلاً : "أبانا العظيم الذى فى مغاغة"، وفيها يقول " أبانا العظيم الذى فى مغاغة / دراك دراك فإن البلاغة صارت بغيا/ يراودها الأرذلون ، يخاصرها الأخسرون / فتعظيمُ ثديها يعبثون ، .... " ، وتتطور فقرات القصيدة بأطوار طه حسين العمرية (أبانا العظيم فى فرنسا) ( أبانا الكريم الذى فى الزمالك ) ( أبانا العظيم الذى فى الخلود ) ، وقد كشف فيها رجب عن ثقافة الصعيد ومرجعياته على نحو مفجع كما مر فيما سبق .
فلا تثريب - بالتأثر الدنقلى - أن تنتشر ألفاظ مثل " مزامير " سواء على مستوى الدواوين كديوان عبد الستار سليم " مزامير العصر الخلفى " والذى يشكل به ضفيرة من التشكلات والاستدعاءات التي يبنى به رؤاه الشعرية ، وتنتشر اللفظة على مستوى القصائد والقطع الشعرية ، وكذلك ألفاظ من قبيل " الأسفار - تراتيل - آيات - العهد القديم " وجل ورود هذه الألفاظ يجىء منبتاً لا علاقة له بالأصل غير أقحام الألفاظ اقحاماً (82) .
وقد وجد شعراء الجنوب ( ما بعد السبعينات ) فى التراث اليهودى والمسيحى ما يشدون به عضد بنى قصائدهم استلهاماً واستدعاء وتناصا ، فعلى حين يستدعى أبو الفضل بدران من النص التوراتى ( سفر التكوين ): "وسمعا - أى حواء وآدم - صوت الرب ماشياً فى الجنة عند هبوب ريح النهار،فاختباً آدم وامرأته من وجه الرب الإله فى وسط شجرة الجنة ، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له أين أنت " ؟! ، فقال : سمعت صوتك فى الجنة فخشيت لأنى عريان فاختبأت .... " (83) . يقول بدران مخاطباً حبيبته فى قصيدته "نقوش على جذوع الغابة " :
- هل تعدو تلك اللحظة ذكرى .
دقائق من ماضى ينسى
والله تجلى فى أثواب الغابة .
كى يسمع وقع الأقدام على الأعشاب .
تلامس كتفينا ... الخ (84) .
يستدعى محمود مغربي - فى بعد قومى - بدء التكوين - فى البدء كان الكلمة " ليعادل بها - مزجاً بتاريخه المصرى القديم - الحجر الفلسطينى ، فيبدأ تحية للمقاومة الفلسطينية :
- فى البدء كان الحجر
قدس الأقداس ... (85)
فى حين نرى جميل عبد الرحمن يكتب قصديته " صفحات من مذكرات يحى " - فى ديوانه " ابتسامة فى زمن البكاء " فيستخدم شخصية يحى رمزاً للطهر الذى يقاوم الغواية والشر ، وسالومى رمزاً للخيانة والغواية ، وقد استخدم الشاعر فى عرض رؤيته تقنيات المسرح من حوار وشخصيات أماكن وصراع ونهاية " (86) .
ويمزج أحد الشعراء الشبان بين " السامرى - ويهوذا - واليزيد
( ابن معاوية ) مع سالومى وكربلاء والمسيح والحسين وسيد الشهداء وما يعانيه المبدع من صراع فى دولة " قمعستان " على حد تعبير نزار . ، يقول أحمد مصطفى فى قصيدته . لقمان يحذر " :
- احذر يا بنى / أن تكتب عن الليل وأتباعه
فالسامرى ويهوذا واليزيد مع سالومى فى كربلاء يرقصون .
آه يابن العذراء آه يا معمدان ... آه يا سيد الشهداء.
لم ترهبهم - توارة - إنجيل - قرآن .
- إن تفعل يا بنى تهان / تصلب على أقلامك ...(87)
ويلجأ محمود الأزهرى إلى اقتباس النص الأنجيلى الذى يقول " اقتسموا ثيابي بينهم ، وعلى لباسى ألقوا قرعة " (88) فيقول فى قصيدته " تلك الساعة " .
لكن قال التلميذ الطيب :
ثوبى يقتسمون
وقميصى يقترعون عليه " (89)
وتعد كريمة ثابت من أظهر الأصوات الشابة فى جنوب مصر تأثراً بالموروث اليهودى والمسيحى فتقول فى ديوانها " أسفار امرأة فى جيب قميص " :
- حزنان من أجلى الرب .
- سيأمر كل ملائكة الغيث بإغراق بوارى .
سيقيم بعيداً فى الآفاق العلوية عرسى ... (90)
- الرب عليم يقرونى كل مساء
يتحرى كل خطيئاتى .... (91)
وتقول - من أهَّلك طفلاً / إلهىَّ الخصال / هل يستطيع الرب أن يجتثنى من مفرادتك (92) . وتقول فى القصيدة التى يحمل الديوان عنوانها فى سفر الدهشة "
( أنا لحبيبى وإلىَّ اشتياقه )
فبماذا عَّباك نشيد الإنشاد " . (93)
وتقول . كان الرب يجادلنى فيك فأقصينى عنى
والرب يجىء فيزرعنى ألقاً ... (94)
وتقول مستدعية رقصة سالومى
- أحياناً / تخطر لى / أن أرقص عارية فوق رفاتك (95)
وكذلك نجد قدراً من اشكال التناص مع الخطاب الانجيلى عند علاء الدين رمضان فى ديوانه: ديوان المتتاليات على نحو ما أشار أحد الباحثين(96) .
(3)
استلهام التراث الأدبي :
من المفترض أن يمثل التراث الأدبي . بمفهومه الوسيع - حوزة فنية ومرجعية بارزة لشعراء الجنوب ، شأنهم شأن شعراء العربية ؛ قدامى ومحدثين ومعاصرين، حيث يؤدى استدعاء النص التراثي القدرة على الإيحاء والتأثير بما للنص التراثي من مكانة فى ذاكرة أبناء الأمة ووجدانهم .
ولا نريد - بداية - أن نصدر أحكاماً قد تبدو قاسية بشأن معرفة شعراء الجنوب بالتراث الأدبي ، وقدرتهم على استلهامه والتناص معه ، ولقد رأينا من شعراء الجنوب المجيدين من يجعل عنوان أحد دواوينه يحمل قدرته على استدعاء شاعر ثراثي مثلما فعل مصطفى رجب فى ديوانه " اعتراف جديد لابن أبي ربيعة " بل ومن شبيبة الشعراء مثل أحمد سعيد مصطفى فى ديوانه " صرخة أبى العلاء " .
سنلم بخريطة التراث الأدبي لدى شعراء الجنوب وفق حدودها السياسية، مبينين قدرتهم على امتصاص النصوص التراثية أو استدعاء الشخصيات الأدبية ، ومما نشير إليه - مسبقاً - أن طائفة من الشعراء جعلت من أشعارها تراثاً أدبياً تستدعيه مرة أخرى أو تستنسخه على نحو فج ممجوح.
باستثناء نفر قليل جداً من شعراء الجنوب أعرض أبناء الجنوب عن التراث الأدبي الجاهلى ، وربما كان جميل عبد الرحمن من أبرز شعراء الجنوب تطلعاً إلى التراث الأدبي وتنوع مصادره ، ففى ديوانه " ابتسامة فى زمن البكاء" اعتمدت أهم قصائده - كما وضح مراد مبروك - على التناص الأدبي مثل الزير سالم يبحث عن شاطىء ، من أقوال تأبط شرا ، وصية الزباء الأخيرة " ، فيكون النص عنده بمثابة الخطاب الخاضع لقوانين طبيعته المادية،فهو لا يعكس التاريخ أو النص الأدبي الجاهلى لكن هذه الأنماط جميعها مضمنة فى النص على مستوى الدال ، وبالتالى يكون الخطاب الشعرى نتاجاً لهذه الأنماط " (97) .
ويتخذ مصطفى رجب فى قصيدته " أبجدية أخرى " من استدعاءات نصوص جاهلية وشخصيات جاهلية إحداث المفارقة التراجيكوميدية جراء ما تقوم به أمة الإسلام مع ( فـ .. لـ .. س .. ط .. ى .. ن ) يقول :
- الفاء : فرقعة الخطب .
- واللام : لام الأمر للساقى الأغر
" فاليوم خمر "
وغدا له رب يدبره (98) .
- والياء : " يشرب غيرنا كدراً / ونشرب / إن وردنا الماء / هل ما زال ماء ؟!
- والنون : نحن إذا الجبابر عندنا خرت لأصغرنا/
ونحن إذا ابن هند سامنا خسفا / قبلنا يديه
ويتخد كذلك - من عبارة " قفا نبك " تيمة يلكز بها عجزنا القومى الفادح فيقول :
( قفا نبك / ورددها وراء الهالك الضلّيل آلاف من العرب / قفا نبك/وهذى عبلة العربية بين السبى والهتك / وهذا عنتر العربى مسترخ /يعب الخمر فى بله / يعربد فى مرابعنا / ويحكى عن مكارم جده العبسى يحكى قصة الأفك/قفا نبك/وهذا عنتر العربى/من درك إلى درك)(99).
وقد عمد مصطفى رجب إلى الاقتباس من شعر النابغة فى قصيدته " من ليالى النابغة " (100) إلى الحد المفرط الذى شتَّت رؤيته الشعرية فسقطت بين بين.
وما بين ملامسة " الرواد " للتراث الجاهلى دون فاعلية فنية تذكر ، مثل قول عبد المجيد محمد طه فى قصيدته " نصيحة " ومطلعها :
|
أرح فؤادك لاحب ولا نصب |
|
والعب فإن جميع الناس قد لعبوا |
يقول فيها :
|
" ودع أميمة إن الركب مرتحل |
|
ولا تظنن أن الناس تنتحب |
|
يا ضيعة القلب لو كانت لواعجه |
|
لكل كتكوتة بالحسن تصطخب (101) |
وما بين تهكم " كريمة ثابت " - مثلاً - فى قولها :
- راحت " تزوَّغ " من ثرثرات المحاضر
حين يسائلها عن قصيدة ( عمرو بن كلثوم ) .
تمرق من شفتيها قصديتك الرائعة (102) .
تبين لنا اتخاذ شعراء الجنوب - سوى المجيدين منهم - التراث الجاهلى تراثاً مهجوراً ، ولم يكن العصر الإسلامي والأموى لدى شعراء الجنوب إلا وعاء مهشماً باستثناء مصطفى رجب الذى استدعى شخصية عمر بن أبى ربيعة فى قصيدته "اعتراف جديد لابن أبي ربيعة"(103) واقتبس مطلع قصيدته " ليت هندا أنجزتنا ما تعد " وختمها بقوله " كلما قلت متى موعدنا " ، وكذلك ما أورده فى قصيدته "من خطبة مفقودة لزياد بن أبيه" (104) دون ذلك مما أورده الشعراء عرضاً من أسماء شعراء أو ألقاب قصائدهم ( الأخطل - بانت سعاد ..) (105) لم يكن وعى شعراء الجنوب بهذا التراث إلا ثراثاً غائباً ودعك مما يدعيه أحدهم بقوله :
|
حسان جدى والكميت أعزنى |
|
بقريض شعر ماله نقصان |
|
حسان جدى والكميت أعزنى |
|
بقريض شعر ماله نقصان |
|
وجرير عمى والفرزدق مبتغى |
|
فن الهجاء لقومنا تفنان |
|
خنساء أختى يا فتاتى فاعلمى |
|
ذاك القصيد إلىَّ والأوزان (106) |
ولم يكن نصيب التراث العباسي والأندلسي أفضل من سابقه إلا قليلاً،فلم يجد شعراء الجنوب من شعر بشار بن برد إلا قوله :
|
أذنى لبعض الحى عاشقة |
|
والأذن تعشق قبل العين أحيانا |
فأورده محمد أبو الفتوح على هذا النحو :
قالوا وكـم قاتل للـدر مزدانــا الأذن تعشـق قبـل العيـن أحياناً(107)
ومحمود بكر هلال فى قصيدته " الأذن تعشق " التى كتبها فى مطربة عربية تعشقها، وفيها يقول الناظم :
|
قالوا له : قد سافرت فى بعثة |
|
قد كانت الأخبار عنها تعلن |
|
فأصابه ما قد أصاب رصيفه |
|
فى الحب بشاراً فراح يدندن |
|
يا قوم أذنى قد أصاب غرامها |
|
قلبى بمن تغرى العيون وتفتن (108) |
ولم يجدوا فى شعر الشافعى إلا قوله : سافر تجد عوضاً عمن تفارقه " فأوردوه فى نظم كقول عبد الصبور السايح :
- وذكرت قول الشافعى ومن مضى
عما يعود من السفر ....(109)
أو مصطفى رجب فى قصيدته "من مقام الغربة".
( قالت وبين حروفها حزن يراوغ وانفعال :
سافر تجد عوضاً
فقلت لها : محال
الله لم يخلق عيونك مرتين !! ....(110)
ويضمن أحمد منصور نفادى "ولرب نازلة يضيق، ولا تجزع لأحداث الليالى" فيقول ناصحاً " :
|
ولا تجزع إذا ما الشر ناب |
|
نوائبه وأمعن فى دجاه |
|
لأن وراء ضائقة الليالى |
|
لكل مقوض فرجاً يراه ...(111) |
ولا يجدون من شعر العباس بن الأحنف إلا اسمه(112) ولا من شعر أبى فراس الحمدانى إلا ما ضمنه أحمد الخياط فى قوله :
|
إذا الليل أضوانى دهتنى حالة |
|
وحيرت فى أمرى حنانك يارب (113) |
ولم يكن للمعرى نصيب باستناء ما استدعاه درويش الأسيوطى ( نونية المعرى الشهيرة ) :
|
عللانى فإن بيض الأمانى |
|
فنيت والزمان ليس بفان |